أولريش شيفر

عرض حسب الشبكة قائمة
فرز حسب
عرض في الصفحة الواحدة

انهيار الرأسمالية ( أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود)

إما أن تنجح الرأسمالية في تجديد نفسها من الجذور، وإما أنها ستنهار وتصبح من مخلفات التاريخ. فبعد ثلاثة عقود، سيطر فيها الاقتصاد المحرَّر من القيود على العالم، أمسينا في أمس الحاجة إلى إحياء الدولة إحياء متزنا، إذ لا مندوحة للدول عن أن تستعيد المجالات التى خسرتها، المجالات التى تخلت عنها منذ مطلع السبعينيات. إن الدولة ملزمة برسم الحدود للأسواق، من غير أن تشل قواها. ويقتضي الواجب من الدولة أن تمنح مواطنيها الشعور بالأمان والثقة، من غير أن تمارس الوصاية عليهم، وأن تتكفل - ثانية - بأن تكون الراعي الأكيد للمنافسة العادلة والعدالة الاجتماعية. ولكي تستطيع الدولة النهوض بهذه الوظائف، فإنها تصبح في أمس الحاجة إلى ممارسة دورها بثقة أكبر وإصرار أشد، فلا سبب يدعوها إلى أن تستسلم لما تفرضه عليها السوق، فالحكومات وسلطات الرقابة أكثر سلطانا من الشركات العملاقة والمصارف المختلفة، حتى في عصر العولمة. وهي مطالبة بأن تمارس سلطانها بإصرار أشد. إن الأمر المطلوب هو أن يظهر بجلاء أن الدولة هي التي ترسم الإطار العام الذي يجوز للاقتصاد أن ينشط في حدوده - وليس العكس - أي ليس أن يحدد الاقتصاد للدولة الإطار العام الذي يجوز لها أن تنشط في داخله. إن الدولة، بمفردها، لن تستطيع استعادة الثقة باقتصاد السوق، فحقبة الجشع يجبلان يتبعها عصر الاعتدال في تحقيق المصالح الخاصة، وحقبة الإسراف الأهوج يجبلان يتبعها عصر الواقعية والتصرف الحصيف، وحقبة تعظيم قيمة الأسهم والتطلع المسرف وغير المسؤول في جني الأرباح، يجبلان يتبعها عصر المبادئ الأخلاقية وعصر الشعور بالمسؤولية، فالمشاريع ورؤساؤها يجبلان يتخلوا عن معدلات الربحية الجنونية، وأن يسترشدوا ثانية بواجباتهم الاجتماعية ومسؤولياتهم الأخلاقية، أي أن عليهم أن يدركوا أنهم جزء من المجتمع، وأنهم خدم هذا المجتمع. إن هؤلاء لا يجوز لهم أبدا أن يروا في الدولة والسياسة مجرد عوائق مثيرة للانزعاج ومثبطة للعزائم، بل عليهم أن يخضعوا للدولة والسياسة باعتبار أنهما الضامن الأكيد للمنافسة والمساواة الاجتماعية، فاقتصاد السوق الخاضع للضوابط هو وحده النظام القادر على مواصلة الحياة في الأمد الطويل. أما الرأسمالية المحرَّرة من الضوابط والقيود فإنها تدمر نفسها بنفسها
$1.00